تُعدّ الحرب المغربية السونغية (1590–1591م) من أبرز الأحداث العسكرية في تاريخ غرب إفريقيا خلال العصر الحديث المبكر، إذ أنهت فعليًا هيمنة إمبراطورية السونغاي ووسّعت نفوذ الدولة السعدية جنوب الصحراء. وقد ارتبطت هذه الحملة باسم السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، الذي سعى إلى تعزيز القوة الاقتصادية والسياسية للمغرب بعد انتصاره في معركة وادي المخازن سنة 1578م.
أولاً: الخلفية التاريخية وأسباب النزاع
منذ القرن الخامس عشر، فرضت إمبراطورية السونغاي سيطرتها على طرق التجارة العابرة للصحراء، خاصة الممرات الرابطة بين تمبكتو وغاو شمالًا، والمراكز التجارية في المغرب. وكانت المنطقة تُصدّر الذهب والملح والصمغ والعبيد وغيرها من السلع الاستراتيجية.
خلال أواخر القرن السادس عشر، برز خلاف بين الدولة السعدية والسونغاي حول مناجم الملح في تغازة، التي كانت موردًا اقتصاديًا حيويًا. وفي ظل تراجع نسبي لقوة السونغاي داخليًا، رأى المنصور فرصةً للتدخل العسكري المباشر.
ورغم اعتراض بعض الفقهاء والمستشارين على قتال دولة مسلمة، فإن السلطان مضى في مشروعه، مستندًا إلى اعتبارات استراتيجية واقتصادية.
ثانياً: الحملة العسكرية (1590–1591م)
في أكتوبر 1590م، أرسل السلطان جيشًا قُدّر عدده بين 3,500 و4,000 مقاتل نظامي، مع دعم لوجستي إضافي، تحت قيادة القائد المغربي ذي الأصول الموريسكية جودار باشا (Diego de Guevara سابقًا). وقد ضم الجيش وحدات من الفرسان والمشاة، وكان عدد مهم منهم مزودًا بأسلحة نارية (القربينة)، وهو عنصر حاسم في مجريات الحرب.
في المقابل، قاد إمبراطور السونغاي أسكيا إسحاق الثاني جيشًا يفوق نظيره المغربي عددًا، إذ تذكر بعض المصادر أنه بلغ عشرات الآلاف، غير أن هذه الأرقام تختلف بين الروايات، ويُرجّح أنها كانت أكبر عدديًا لكنها أقل تنظيمًا وتسليحًا مقارنة بالقوات السعدية.
ثالثاً: معركة تونديبي (مارس 1591م)
وقعت المعركة الحاسمة في مارس 1591م قرب تونديبي، شمال غاو (في مالي الحالية). وتشير المصادر إلى أن جيش السونغاي حاول استخدام قطيع من الأبقار لإرباك صفوف المغاربة. غير أن إطلاق النار من البنادق أحدث فوضى في صفوف القطيع، الذي ارتدّ على قواته، فاختلت التشكيلات الدفاعية للسونغاي.
سمح التفوق في الأسلحة النارية والانضباط العسكري للجيش المغربي بتحقيق نصر حاسم. وبعد الهزيمة، انهارت السلطة المركزية للسونغاي تدريجيًا، وتعرضت مراكزها الكبرى مثل تمبكتو وغاو للاحتلال.
رابعاً: نتائج الحرب وأثرها
أسفرت الحملة عن سيطرة الدولة السعدية على منطقة النيجر الأوسط، وإن كان ذلك عبر إدارة عسكرية محلية عُرفت لاحقًا باسم "الباشوية" (باشوية تمبكتو). وقد استفاد السلطان أحمد المنصور من الموارد المتدفقة، ما عزز سمعته بلقب "الذهبي".
ومع ذلك، واجه الوجود المغربي صعوبات بسبب البعد الجغرافي، وصعوبة الإمداد عبر الصحراء، والانقسامات الداخلية، مما حدّ من استدامة السيطرة الفعلية على المدى الطويل.
خامساً: تمثيل المعركة في الذاكرة المعاصرة
في القرن العشرين، قام رجل الأعمال الأمريكي مالكوم فوربس بتحويل جزء من إقامته في طنجة إلى فضاء يضم مجموعات ضخمة من مجسمات الجنود التي توثق معارك تاريخية كبرى. ومن بين الأعمال التي ارتبطت بتاريخ المغرب مجسم لمعركة تونديبي، أنجزه صانع النماذج اللندني إدوارد سورين، في إطار مشروع توثيقي بصري للمعارك المفصلية.
يمثل هذا الاهتمام المعاصر دليلًا على استمرار حضور هذه المعركة في الذاكرة التاريخية المغربية والإفريقية.
تقييم الدقة التاريخية والتصحيحات الأساسية
- عدد الجيش المغربي: ترجح الدراسات الحديثة أن القوة القتالية النظامية كانت بين 3,500 و4,000 جندي، وليس 10,000 مقاتل مقاتل نظامي كما تذكر بعض الروايات الشائعة.
- عدد جيش السونغاي: تذكر المصادر أرقامًا كبيرة (قد تصل إلى 30–40 ألفًا)، لكن هذه الأرقام تقديرية وربما مبالغ فيها.
- السبب الاقتصادي: النزاع حول مناجم الملح (تغازة) والسيطرة على طرق التجارة كان عاملًا أساسيًا، إلى جانب طموح سياسي استراتيجي.
- النتائج: لم تؤدِّ المعركة إلى ضمّ دائم ومستقر للمنطقة، بل إلى سيطرة عسكرية محدودة استمرت عقودًا في شكل إدارة باشوية.
خلاصة
تُبرز الحرب المغربية السونغية ومعركة تونديبي سنة 1591م كيف يمكن للتفوق التقني والتنظيم العسكري أن يقلب موازين القوى رغم الفارق العددي، كما تعكس مركزية الاقتصاد الصحراوي في صياغة السياسات الإمبراطورية. وتظل هذه المعركة محطةً مفصلية في تاريخ العلاقات بين المغرب وغرب إفريقيا خلال العصر الحديث المبكر.
أهم المراجع العلمية المعتمدة
- Michel Abitbol, Histoire du Maroc, Paris, Perrin, 2009.
- Jamil M. Abun-Nasr, A History of the Maghrib in the Islamic Period, Cambridge University Press, 1987.
- Nehemia Levtzion & John F. P. Hopkins (eds.), Corpus of Early Arabic Sources for West African History, Cambridge University Press, 1981.
- John O. Hunwick, Timbuktu and the Songhay Empire, Brill, 1999.
- Jonathan Michel, “The Invasion of Songhay in 1591 and the Saadian Dynasty,” University of Pennsylvania, 1995.
- Elias N. Saad, Social History of Timbuktu, Cambridge University Press, 1983.