آخر الأخـبــار

إخراج التلاميذ من القسم: من المقاربة الإدارية إلى المعالجة التربوية

المقدمة

تُعدّ ظاهرة إخراج التلاميذ من القسم من الممارسات الشائعة داخل عدد من المؤسسات التعليمية، حيث يُلجأ إليها بدعوى عدم الالتزام بالزي المدرسي، أو نسيان الكتب، أو عدم إنجاز الواجبات، أو الشغب داخل الحصة. غير أن هذه الممارسة، رغم انتشارها، تطرح إشكالات تربوية وقانونية وأخلاقية عميقة، لأنها تحرم المتعلم من حقه في التمدرس، وتضع المؤسسة وأطرها أمام مسؤوليات جسيمة.
أستاذ يتحاور بهدوء مع تلميذ داخل فصل دراسي في مدرسة عمومية بينما يتابع باقي التلاميذ الدرس، في تجسيد للمقاربة التربوية التي تفضل الحوار على إخراج التلميذ من القسم
وانطلاقاً من المرجعيات التشريعية والتنظيمية، ومن منطلق المقاربة الحديثة التي تجعل مصلحة المتعلم فوق كل اعتبار، أصبح من الضروري الانتقال من منطق العقوبة الإدارية السريعة إلى المعالجة التربوية الوقائية والعلاجية.

أولاً: النصوص التشريعية والتنظيمية المؤطرة

الأصل التربوي والقانوني هو إبقاء التلميذ داخل الفصل للتعلم والحماية، ولا يتم إخراجه إلا في حالات استثنائية مرتبطة بعرقلة السير العادي للدرس.

دليل الحياة المدرسية (غشت 2008)

ينص على أنه:
لا يسمح لأي مدرس بحرمان أحد تلامذته من الدرس، إلا عند إحالته على إدارة المؤسسة بسبب سلوك يعرقل السير الطبيعي للحصة، مع إنجاز تقرير في الموضوع.

المذكرة الوزارية رقم 94 (24 يونيو 2009)

جاءت لرفع اللبس بخصوص الأدوات المدرسية، ودعت صراحة إلى:
عدم حرمان المتعلمين من متابعة الحصة بسبب عدم اقتناء الكتب أو اللوازم المدرسية، مع البحث عن الأسباب واعتماد حلول تربوية.
إذن: نسيان الكتاب أو الدفتر ليس مبرراً قانونياً للإخراج.

ثانياً: خطورة إخراج التلاميذ من القسم

إخراج التلميذ دون مسطرة قانونية واضحة يُعد مغامرة تربوية وقانونية.

المسؤولية القانونية

ينص الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود المغربي على مسؤولية المدرسين عن الأضرار التي قد تصيب التلاميذ أثناء وجودهم تحت مراقبتهم.

بعبارة مبسطة: ما دام التلميذ داخل المؤسسة وخاضعاً لاستعمال الزمن، فهو تحت مسؤولية المؤسسة.

أي حادث قد يقع للتلميذ أثناء خروجه من القسم يمكن أن:

  • يحمّل المؤسسة المسؤولية القانونية.
  • يترتب عنه تتبع إداري أو قضائي.

فعلى سبيل المثال، إذا تم إخراج تلميذ من الحصة ووقع له حادث داخل المؤسسة، فقد تُعتبر الجهة المسؤولة عن مراقبته ملزمة قانوناً بتحمل النتائج.

كما تؤكد المراجع التربوية أن المؤسسة مسؤولة عن التلميذ منذ دخوله إليها وفق استعمال الزمن، ولا يجوز إخراجه إلى الشارع أو تركه دون إشراف، لما قد يترتب عن ذلك من تبعات قانونية.

ثالثاً: حالات الإخراج والتدابير القانونية

الحالة المشروعة تربويا

إذا قام التلميذ بسلوك خطير يعرقل الدرس:
  1. ينجز الأستاذ تقريراً مفصلاً. لنا مقال اطلع عليه من خلال نموذج تقرير إخراج تلميذ من القسم بسبب عرقلة الدرس | جاهز للتحميل
  2. يحال التلميذ على الإدارة
  3. يمكن استدعاء الولي أو الإحالة على مجلس الانضباط

حالات غير مشروعة تربوياً

  • نسيان الكتاب أو الدفتر
  • عدم إنجاز الواجب
  • مخالفة بسيطة للزي
في هذه الحالات يُفترض:
  • إرجاع التلميذ للقسم
  • البحث عن الأسباب (وضع اجتماعي، إهمال، صعوبات...)
  • إشراك جمعية الآباء والشركاء

رابعاً: درجات مخالفات التلاميذ

  • بسيطة: عدم إحضار الدفاتر – عدم إنجاز الواجب – عدم التقيد بالزي.
  • متوسطة: تخريب الممتلكات – ألفاظ بذيئة – شجار لفظي.
  • خطيرة: اعتداء جسدي – سرقة – مخدرات – تخريب متعمد.
العقوبات يجب أن تكون تربوية ومتناسبة مع درجة المخالفة.

خامساً: البدائل التربوية للعقوبات الإقصائية

المذكرات الوزارية الحديثة تدعو إلى عقوبات بديلة تحفظ كرامة التلميذ، مثل:
  • المساهمة في تنظيف فضاءات المؤسسة؛
  • أشغال البستنة؛
  • المساعدة بالمكتبة؛
  • دعم الأنشطة الرياضية.
الهدف: تقويم السلوك دون وصم أو إهانة.

سادساً: أسباب شغب التلاميذ داخل القسم

يُعد شغب التلاميذ داخل القسم من الظواهر التربوية التي تستدعي فهماً عميقاً لأسبابها بدل الاكتفاء بمعالجة مظاهرها السطحية. فالسلوك المزعج في الفصل الدراسي غالباً ما يكون نتيجة عوامل متداخلة ترتبط أحياناً بالمدرس، وأحياناً أخرى بالتلميذ نفسه.

1. أسباب مرتبطة بالمدرس

قد يسهم ضعف التنويع في طرق التدريس في خلق الملل وفقدان التركيز، مما يدفع بعض التلاميذ إلى إثارة الفوضى. كما أن التسلط أو استعمال عبارات الإهانة قد يولد ردود فعل سلبية داخل القسم. إضافة إلى ذلك، فإن عدم تكييف الدروس مع المستوى الحقيقي للمتعلمين قد يجعل بعضهم يشعر بالعجز أو الانفصال عن مجريات الحصة.

اطلع على أهم  أخطاء شائعة تفقد المعلم إدارة الصف وكيفية تجنبها

2. أسباب مرتبطة بالتلميذ

قد يكون الشغب انعكاساً لمشاكل أسرية تؤثر في التوازن النفسي للتلميذ، أو نتيجة فشل دراسي متكرر يولد الإحباط. كما أن بعض التلاميذ يلجؤون إلى السلوك المزعج بحثاً عن إثبات الذات أو لجذب الانتباه، خاصة عندما يشعرون بالإقصاء أو بعدم التقدير داخل الوسط المدرسي.

في النهاية، يبقى شغب التلاميذ في الفصل الدراسي غالباً عرضاً لمشكلة أعمق، وليس مجرد سوء سلوك عابر، مما يفرض اعتماد مقاربة تربوية تشخيصية تعالج الأسباب بدل الاكتفاء بالعقاب.

سابعاً: الأساليب الوقائية للحد من شغب التلاميذ داخل القسم

تعتمد الوقاية من شغب التلاميذ داخل القسم على مقاربة تربوية استباقية تركز على بناء مناخ تعليمي إيجابي قبل ظهور السلوكيات المزعجة. فالتعامل الوقائي يظل أكثر فعالية من المعالجة الزجرية.

احترام شخصية المتعلم يشكل الأساس في بناء علاقة تربوية متوازنة، إذ يشعر التلميذ بقيمته داخل الفصل الدراسي عندما يُعامل بكرامة وتقدير.

حسن الإصغاء يساعد على فهم حاجات المتعلمين ومشكلاتهم، ويعزز الثقة المتبادلة بينهم وبين المدرس، مما يقلل من دوافع التوتر أو التمرد.

كما أن تفعيل الأندية التربوية والأنشطة الموازية يوفر فضاءات للتعبير عن الطاقات والاهتمامات، ويساهم في تفريغ الشحنات السلبية بطريقة إيجابية ومنظمة.

ويظل التنسيق مع الأسر عاملاً حاسماً في معالجة السلوكيات غير المنضبطة، لأن التكامل بين البيت والمدرسة يعزز الاستقرار النفسي والتحصيل الدراسي.

أخيراً، فإن تجنب التحيز والعدل بين التلاميذ يرسخ الإحساس بالإنصاف داخل القسم، ويحد من مشاعر الإقصاء التي قد تكون سبباً مباشراً في ظهور الشغب.

ثامناً: الأساليب العلاجية لمعالجة شغب التلاميذ داخل القسم

عند ظهور سلوك غير منضبط داخل الفصل الدراسي، يصبح من الضروري اعتماد أساليب علاجية تربوية تراعي مصلحة المتعلم وتحافظ على استقرار المناخ التعليمي. فالتدخل الفعال لا يقوم على العقاب وحده، بل على فهم الأسباب ومعالجة جذورها.

معالجة المشكلة تربوياً لا عقابياً تعني البحث عن خلفيات السلوك ومحاولة تقويمه بالحوار والتوجيه، بدل الاقتصار على الإجراءات الزجرية التي قد تزيد الوضع تعقيداً.

كما يُفضل مواجهة التلميذ على انفراد بعيداً عن زملائه، حفاظاً على كرامته وتجنباً لإحراجه، مما يفتح المجال لنقاش هادئ ومسؤول.

ويُعد تفعيل خلايا الإنصات والوساطة داخل المؤسسة آلية مهمة لدعم التلاميذ الذين يعانون من صعوبات نفسية أو اجتماعية تؤثر في سلوكهم.

أما إشراك مجلس القسم والأسرة فيشكل خطوة أساسية لضمان معالجة متكاملة، حيث يساهم التنسيق بين مختلف المتدخلين في وضع خطة تربوية مناسبة تساعد التلميذ على تعديل سلوكه والاندماج الإيجابي داخل القسم.

خاتمة

إخراج التلميذ من القسم ليس حلاً تربوياً، بل قد يكون بداية لمشكلات أكبر: انقطاع، انحراف، مساءلة قانونية. المقاربة الحديثة تفرض الانتقال من منطق الطرد والإقصاء إلى منطق الاحتواء والتقويم التربوي، حفاظاً على حق المتعلم وكرامة الفاعل التربوي وسلامة المؤسسة.
تعليقات